تتناول هذه الدراسة منهج القرآن الكريم في إثبات الجريمة أو دفع الإتّهام عبر تحليل استخدام الأدلة الظرفية (القرائن) في سورة يوسف. وهي الأدلة غير المباشرة التي لا تُثبت الواقعة محلّ النزاع أو الجريمة بشكل مباشر وصريح، وإنما يُستدلُّ بها على حقيقة الجريمة وثبوتها عن طريق قرائن وأحوال وملابسات خارجية لكنّها متجانسة ومترابطة. وتهدف هذه الدراسة إلى قراءة البنية العقلية والمنطقية الحجاجية التي يستخدمها الخطاب القرآني أثناء إثبات الجرائم أو دفعها، في سياق التركيز على ثلاث جرائم رئيسية في سورة يوسف وهي: الاختفاء القسري الذي تعرض له يوسف عليه السّلام، التحرش الجنسي الذي اتّهم به الطّرفان؛ يوسف عليه السّلام وزليخة امرأة العزيز، والسرقة التي اتهم بها بنيامين. لذا فهذا البحث ينطلق من حاجة ملحّة لفهم كيف وظّف القرآن من خلال سورة يوسف على الخصوص الأدلة الظرفية (القرائن)، و مدى اعتبارها لـدفع الاتهامات، أو تفنيد الشبهات، أو إثبات التّهمة والجريمة. ويأمل الباحث في هذا المساق الإجابة على التساؤل التالي: ما مدى اعتبار الخطاب القرآني من خلال سورة يوسف للأدلة الظرفية في إثبات الجريمة أو رفع الإتّهام؟ وقد أظهرت الدّراسة كيف أن القرآن يعتمد على شبكة من القرائن المترابطة (كوجود الدّافع السابق لارتكاب الجريمة، السلوك اللاحق كعدم إنكار الجريمة، والأدلة المادية كقميص يوسف)؛ لبناء قناعة منطقية تصل إلى مرتبة اليقين لإثبات الجريمة، أو رفع الإتّهام، دون الحاجة دائمًا إلى دليل صلب مباشر. وقد اعتمد الباحث على المنهج التحليلي الوصفي، حيث تم تحليل النص القرآني في سورة يوسف الذي يحمل جرائم واضحة، مع تفسير القرائن الظرفية وعلاقتها بالحقائق المرويّة، ومقارنة ذلك بما ورد في الدراسات الشرعية والقانونية الحديثة. وخلصت الدراسة إلى أن المنهج القرآني في اعتبار الأدلة الظرفية يتسم بالدقة والعمق والموضوعية، حيث لا تعتمد القناعة على الدليل الظرفي وإن ظهرت قوّته؛ بل على ترابط القرائن المدّعمة له وتجانسها، مما يجعل هذه المنظومة الاستدلالية وسيلة إثبات قوية ومعتمدة في المنظور القرآني، وهو ما يتوافق في جوهره مع أحدث المبادئ في الأنظمة القضائية الحديثة.
Medhet Korichi (Mon,) studied this question.